الرئيسية » الثقافة » قراءة في أهداف رحلة شارل دوفوكو مابين 1883-1884

قراءة في أهداف رحلة شارل دوفوكو مابين 1883-1884

ناسمي محمد
إن ما يميز رحلة شارل دوفوكو ما بين 1883-1884 إلى المغرب أنها أطرت بالعديد من الأهداف التي حاول من خلاها هذا الأخير، جمع معلومات متنوعة ومتعددة الجوانب حول المغرب أواخر القرن 19 م، فجاءت بذلك رحلته على شكل تقرير مفصل عن المغرب، لا لسبب سوى استغلالها من قبل فرنسا لاستعمار المغرب بطريقة أيسر وتجاوز أخطاء عملية استعمارها للجزائر، ومن خلال قراءة متأنية لهذه الرحلة تبين لي مجموعة من الأهداف التي كانت وراء مجيء شارل دوفوكو إلى المغرب، ومن أهمها:
– الهدف الأول:
“غادرت السفينة يوم 20 جوان 1883 صحبة الربي مردوشي، و لما لم يكن لدي أي شيء جديد أريد الوقوف عليه في هذه المدينة المعروفة من خلال عدة كتابات سابقة فأنني كنت أتعجل مغادرتها. محطتي الأولى لابد أن تكون مدينة تطوان”.
“… زد على هذا أني كنت قررت ألا أقضي إلا وقتا قليلا بفاس: هذه المدينة قد سبق وصفها في عدة مؤلفات بكثير من التفاصيل و بطريقة أحسن مما يمكن أن أقدر عليه. لم يكن علي أن أدرس فاس بل على العكس كنت أتحرق على مغادرتها لأصل إلى الأرضي المجهولة”
إن أول شيء سيفتتح شارل دو فوكو تقرير رحلته عند نزوله مدينة طنجة هو الإفصاح على نيته وأهدافه من رحلته إلى المغرب مغرب آواخر القرن 19م، وهو عدم الوقوف على استكشاف المدن الكبرى المغربية التي كانت معروفة لدى الأوربيين بفعل تجارتهم وعلاقاتهم الدبلوماسية معه، بل هو جاء للمغرب لاستكشاف المناطق المجهولة في المغرب أو ما كان يعرف بمغرب السيبة المغرب الذي كان عصيا اكتشافه حتى على المخزن نفسه، وهذا ما أكده كذلك عند زيارته لمدينة فاس.
إذن فمما سبق فالهدف الأول من زيارة شارل دوفوكو للمغرب هو إكتشاف المناطق المجهولة الغير معرفة لدى الأوربيين في المغرب، وهذا ما وجه مسار رحلته.
الهدف الثاني:

كان هدف شارل دوفوكو من خلال مسار رحلته إلى المناطق المجهولة إلى القيام بمسح جغرافي شامل ودقيق لهذه المناطق، وذلك من خلال التركيز في تقريره على الوصف الجغرافي الدقيق والموضوعي للمناظر والمجالات المغربية التي زارها من حيث أشكالها التضاريسة وتكوينها الجيولوجي، والطبوغرافيا والمناخ والهيديرولوجيا والتشكيلات النباتية….، مدعما وصفه بالقياسات والرسوم التوضيحية و الخرائط، و كأننا لسنا أمام إثنوغرافي جاء لاكتشاف الجوانب الثقافية لمجتمعات المغرب المجهول بل أمام طائرة استطلاع تجسسية جاءت لتتجسس فوق الأراضي المغربية.
ويقول شارل دو فوكو في وصف واد تطوان: “واد تطوان ضفاف من طين؛ تقريبيا عمودية؛ علوها 4 إلى 5 م؛ اتساعه 12 م؛ مياه جارية عمقها 50 إلى 60 سم؛ قعر الوادي من الرمال…..”
ويقول شارل دو فوكو في وصف جبل باني:”… جبل باني ضيق جدا إنه عرف حاد، شفرة تنتأ من الأرض…”,
وفي تكوينه: “… إنه مجال صخري، وممرات جد صعبة تنعدم بها الحياة… السطح من صخور وحجارة؛ الحث ذو المظهر الأسود اللامع، الذي يبدو كما لو كان محروقا، كما لو صبغ بالقطران.”
كما قام شارل دو فوكو في رحلته بتحديد مواضع القرى والمداشر، والمدن… المغربية التي زارها ونوع السكن بها وإعطاء إحصائيات حول ساكنتها وتحديد عدد اليهود بها، كما عمل على تحديد نوع الأنشطة الاقتصادية التي تزاولها.
يقول شارل دوفوكو في وصف مدينة القصر الكبير: “… لقد استحقت هذه الأخيرة في الماضي اسم القصر الكبير، إلا أنها جد سيئة البناء و ذات مساكن غير مطلاة بالجير ليست لا كبيرة و لا محصنة الشيء الذي يطفي عليها مظهر الوسخ والحزن… يقدر السكان بـ 5000 أو 6000 نسمة منهم ما يقارب 1000 يهودي، كان هؤلاء فيما مضى مجمعين في ملاح…توجد بقرب المدينة بساتين شاسعة لاحظت بها مغارس غنية من البرتقال…”.

الهدف الثالث:
مكن عيش شارل دو فوكو في المجتمع المغربي لحوالي سنة من جمع مادة إثنوغرافية عنه مكنته من التعرف عن أسرار البنيات الاجتماعية للمناطق التي اكتشفها من المغرب خاصة أنه من خلالها العديد من الأحداث التي تعرف من خلالها على ثقافة المجتمع المغربي وأهم عاداته ومعتقداته وتقاليده وسلوكاته ولهاجاته…
يصف شارل دو فوكو لباس قبيلة أغنياء بني حسان: ” اللباس عند هذه القبيلة، كما هو الشأن عند قبيلة الأخماس كالتالي: بالنسبة للناس ذوي يسر، سروال ضيق ينحصر فوق الركبتين، قميص قصير بدون أكمام من صوف أبيض، يصل إلى منتصف الفخذ وأخيرا جلباب داكن و بلغة صفراء وطربوش أحمر، ويحذف هذا الأخير في كثير من الأحيان…”
هذا بالإضافة إلى اكتشافه للقبائل وامتداداتها وتقسيماتها.. ، كذلك خصائص النظام الاجتماعي للبربر. كل هذه المعطيات وان كانت ذات صبغة استعمارية وإيديولوجية استكشافية إلا أنها في الحقيقة تكشف لنا بعض المعطيات المهمة حول خصائص مغرب ما قبل الحماية.

الهدف الرابع:
عمل شارل دوفوكو في رحلته على وصف وتحليل النظام السياسي السائد في المغرب في فترة نهاية حكم السلطان الحسن الأول، وعلاقة القبائل بالنظام المخزني في إطار” بلاد المخزن ” كنقطة واقعة ضمن دائرة النفوذ السياسي للمخزن و” بلاد السيبة ” حيث لا سلطة إدارية للمخزن بل اعتراف بالبعد الديني للسلطان فقط.
يقول شارل دوفوكو نقلا عن أحد الساكنة خلال إقامته في أبي الجعد: ” هنا لا سلطان و لا مخزن؛ لا أحد آخر إلا الله و سيدي بن داود.”
يقول شارل دوفوكو في حوار له مع أحد أفراد قبيلة إدا وبلال: “… إدا وبلال مستقلون ولا يعترفون بتاتا بالسلطان. سألت أحدهم يوما عما إذا لم تكن لهم في يوم من الأيام علاقات مع السلطان فأجابني هذا الأخير قائلا: بلى. لقد كانت لنا علاقات منذ سنة و نصف سنة مضت. كانت هذه العلاقات هكذا: كان مولاي الحسن قد بعث، خلال حركته في الساحل، كتابا و مخازنية لجمع الضرائب في رأس الواد. كان ردنا أن بعثنا جماعة من لتتربص بهم. لما كان ماس المخزن في طريق العودة والبهائم محملة بالفضة هجمنا عليهم و أجبارناهم على الفرار وعدنا، منتصرين، بضرائب أهل سوس و خيول المخزن. كانت هذه آخر علاقات قبيلتنا مع المخزن…”
إذن كل هذه الظروف السياسية التي تعيشها العديد من القبائل خلال هذه الفترة رصدها شارل دو فوكو من أجل تسهيل عملية تغلغل الجهاز الاستعماري الفرنسي إلى المغرب.
الهدف الخامس:
رصد مدى توفر الأمن في مناطق المغرب بحيث كررت غير ما مرة قضية انعدام الأمن بلاد السيبة إلى درجة أن شارل دو فوكو كتب عن سكان مدينة تازة ” … لا يحلم سكان المدينة إلا بشيء واحد؛ ألا وهو قدوم الفرنسيين، كم من مرة سمعت المسلمين يقولون بأعلى أصواتهم: متى سيأتي الفرنسيون؟ متى سيخلصونننا أخيرا من أهل غياتة؟ متى سنعيش في أمان كما هو حال سكان تلمسان…”

تبقى الرحلة التي قام بها شارل دوفوكو أواخر القرن 19م، من أهم المراجع لمن يريد التعرف على مغرب ما قبل الحماية، سواء جغرافيا، أو إجتماعيا، أو أنثروبولوجيا، أو تاريخيا…، وخاصة أن مسار الرحلة حاول فيه أن يسبر أغوار المغرب المجهول أو مغرب السيبة، المغرب الذي كان عصيا اكتشافه على كثير من الباحثين الأوربيين من قبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على فيسبوك