الرئيسية » الثقافة » قصة قصيرة: زيمة

قصة قصيرة: زيمة

قصة قصيرة: زيمة
تعانقنا وتبادلنا الأمكنة بين منصة اللقاء الشعري وكراسيه… ستون من الحاضرات والحاضرين بين شاعر وشاعرة، ونفر قليل لم يقو على الوقوف بالمنصة تهيبا أو خجلا، وربما كان منهم من يتأبط ما يشبه القصيدة. متعة تبادل الأدوار بين إنصات وإلقاء، بين إبداع وانتقاد، بين محاسبة ومعاتبة، كانت تضفي على اللقاء مسحة تشويق لدى البعض أو إحساسا بالفتور لدى البعض الآخر…
الزجال البويهيمي الذي أرخى سدول لحيته الدكناء المخللة ببياض السنين، كان دقيق المعاينة في كل بداية، قبل أن يشحن بطارية دماغة بكهرباء خمرة، على هامش اللقاء. كان يعد الحاضرين عدا، ويهمس في أذني بأسرار الحضور، بين متيمين بجمال الحرف، ومولعين بالسمر الليلي، وعاشقين للنزهة والسفر، وأصحاب المواعيد التي لا تبقي ولا تذر…ولا يفوته في كل مرة أن يردد عبارته المألوفة: ” حتى الثقافة لم تسلم من المحسوبية والزبونية”…
حدثني لحظة، ونظراته الجائلة أكثر من كلماته، عن الزيارة المرتقبة صباح اليوم الموالي إلى سبخة زيمة على بعد يسير من مدينة الشماعية، فزادني حديثه عنها شوقا لرؤية المكان، رغم أن من سمعنا من المعقبين من أهل البلدة، كانوا يتحدثون عن بقعة طالها الإهمال، واعتراها التجاهل، حتى أضحت مصبا للنفايات، ومرتعا للهوام والحشرات، ولولا أن المكان مصدر ملح يشار إليه بالأثمان، لاستحال مقبرة بلا مقابر، لا ترتادها نائحة ولا زائر…
كان الزجال البويهيمي قليل الأكل كثير القفشات، يتجول ليلا بين صفوف الموائد، حيث تحلق الشعراء لتناول وجبة عشاء، قوامها دجاج وشواء، وفواكه من خريف البلد…وخاطبهم مستنكرا: أيها الغاوون، أراكم تزدردون الأكل في نشوة وحبور، لا تشبهون قصائدكم الملقاة على عاتقي… منذ قليل كنتم تنتقدون وتلعنون الحجر والشجر، ومنكم من بكى مما تأثر، حتى خيل إلي أنكم ستبيتون بلا عشاء. وها أنتم أيها العفاريت تلعقون الصحون وتملأون البطون .
كلامه الذي أضحك الجميع حتى سعل بعضهم، أوقف اللقمة في بلعومي، فاستعنت على تمريرها بشربة ماء …
عند مدخل زيمة، حرصت على أن أبتعد قليلا عن صاحبنا، فقد كنت شغوفا باكتشاف المكان دون صخب، فاعتذرت لأجل ذلك عن كثير من دعوات التصوير… وإذ قابلتني عند المدخل يافطة كتب عليها: “الشركة الشريفة للملح” ، اعتقدت أن بالمكان منشآت تليق بهذا التوصيف، فلم تكن المنشآت سوى أكوام متراكمة من الملح، وبضع مستودعات مهترئة، وآليات تشبه بقايا حرب بائدة، وممرات متربة تستدعي الاحتراس من الوقوع في وحل الغبار… كنت ساعتها أتنفس ملحا، وأنظر إلى شاعرة ترمي بداخل فمها حفنة ملح… وكنت أجد لذة في تمرير لساني بين شفتي حيث يلتصق الملح جراء هبوب الرياح الساخنة يومها.
وبينما أنهى أحد الأساتذة المرافقين لمحته عن زيمة باعتبارها تراثا تاريخيا وإيكولوجيا، لعب دورا اقتصاديا واجتماعيا وروحيا أيضا، فقد كان السلف يضفون عليها هالة القداسة، بل يدعون لبعضهم البعض قائلين: ” سير الله يجعلك بحال زيمة”، بادرت شاعرة مسرحية إلى إلقاء عرضها الفكاهي الساخر، وذلك في أعقاب قراءة زجال كبير لمقاطع حول زيمة، إذ أبدعت وهي تسخر من الشعراء في مقارنة بين ثمن ديوان وبين ثمن انتقال لاعب كرة…
ضحكنا ثم تقطببت أساريرنا حين استرسل أحدهم في ذكر ألوان وأصناف الزهور والطيور التي كانت تؤثت فضاء زيمة على امتداد السنوات الماضية، والتي غابت بسبب الجفاف وأشياء أخرى.
تدبرنا أكياسا بلاستيكية ، وأخذنا بهام اسمح لنا به الحارس، ثم قفلنا عائدين، وقد أخذ العطش منا مأخذه بسبب حرارة الطقس، وطول المسافة، ومرارة الأسف… في غياب الماء.
بدا فم الشاعرة التي أكلت حفنة الملح جافا شاحبا، وبدا العرق على جبين الشعراء المتعبين الذين لم يعد لهم سوى طلب واحد: الماء,
العياشي ثابت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على فيسبوك