كيف نحارب الجريمة والانحراف بين أوساط الشباب؟

لعل المتتبع لأحوال شبابنا في زمننا الراهن يعاين سلوكيات منحرفة ودخيلة تشكل نقلة نوعية وصارخة عن كل ما مضى من الأجيال السابقة. فقد تلاشت قيم الحياء واحترام الكبار، وانتشرت ظواهر مثل العقوق والتعاطي للمخدرات والكحول والجريمة بشكل ملحوظ… وأصبح الآباء والمربون يتبرمون ويشتكون. وحتى المؤسسة التربوية التي هي أصلا موجهة للتربية والإصلاح سادتها ظواهر الشغب والغش واللامبالاة. فأين الخلل وكيف السبيل لتقويم الاعوجاج وإصلاح ما يمكن إصلاحه؟

لقد تعددت العوامل وراء الانحرافات الكثيرة التي أصبحت كالسوس ينخر شباب أمتنا بين ما هو داخلي وما هو خارجي من تأثيرات الإعلام والتكنولوجيا وعوامل التيئيس وضغوط وإكراهات الواقع. وهنا نؤكد أن الشباب والأجيال الصاعدة ليست دائما جانية على نفسها، بل هي أحيانا ضحية سياسات فاشلة تحاول معالجة السطح والقشور، وتترك الجوهر والجذور والأسباب.          

إن الاستماع للناشئة ومحاولة تفهم احتياجاتها النفسية والمجتمعية يشكل عصب العملية الإصلاحية. فالدراسة وحدها ليست على قائمة الاهتمامات بالنسبة لكل الشباب، والضغوط التي يمارسها الآباء في هذا الشأن كأن المدرسة هي قدر الإنسان الوحيد ليس تصورا سليما على الإطلاق. فطاقات الشباب لا حدود لها، و تجليات وآفاق الذكاء متعددة بين ما هو موسيقي أو رياضي أو عقلي أو غنائي.. فهل هيأت الجهات المعنية للشباب ما يكفي من دور شباب ومسارح وملاعب رياضية لتفجير الشباب لطاقاته بدل إهدارها في أشياء تعود عليه بالضرر وتعود على المجتمع بالعواقب الوخيمة؟ هل تمّ إنشاء ما يكفي من ملاعب القرب والإشراف عليها وعلى تنظيم مسابقات تقف وراءها جهات مختصة ومن خلال تخصيص جوائز تحفيزية لكشف المواهب والطاقات؟ ونفس الشيء يقال عن المسرح والتمثيل و الموسيقى. أين دور الشباب التي ينبغي أن تستقطب الناشئة من خلال الانخراط في مجموعات خاصة إما بالغناء أو التشخيص المسرحي أو العزف الموسيقي من خلال نوعيات من الآلات والجمع بين النظري والتطبيقي..؟                                                       

إننا اليوم في أمس الحاجة ـ في ظل الحياة المركبة والمعقدة بمشكلاتها العميقة ـ إلى تخصيص مكتب استماع في كل مؤسسة تربوية للإنصات للمشكلات النفسية والاجتماعية للأطفال والشباب ودراستها، ومحاولة مساعدتهم على تجاوزها قبل أن تتحول هذه المشكلات إلى أزمات تهز كيان المجتمع برمته في ظل انشغالات الآباء وابتعادهم أحيانا أخرى بالموت او بالانفصال.          

إن الهواجس الأمنية أو عناصر الردع هي حلول نهائية تأتي بعد وقوع المشكل وتفاقم تبعاته. إذن لماذا لا تكون الحلول استباقية تحاول دراسة مشاكل الشباب قبل أن تفرز نتائجها الكارثية. لقد بدأت المؤسسات التربوية تتحول إلى فضاء مأزوم سواء بالنسبة للتلميذ الذي يحس نفورا متزايدا من المدرسة كأنما هي سجن يفجر فيه السخط والغضب والشغب، أو بالنسبة للمدرسين الذين يعانون من عوامل الاكتظاظ ولامبالاة المتعلمين وتضاؤل نسبة الاهتمام والتجاوب والتفاعل بينهم. وفي غياب إحصائيات وبحوث ميدانية عن نفسية التلاميذ إزاء المدرسة، تبقى ردود أفعال كل من المدرس والمتمدرس كفيلة بإعطائنا تصورا كافيا عن الموقف السائد اليوم من المدرسة كوسيلة تهذيب وإصلاح.          

فأين المؤسسات الموازية في أدوارها لدور المدرسة؟ أين تفعيل ملاعب القرب؟ هل تستوعب أعداد الشباب والفتيان في كل الأحياء ؟ ماذا تقدم لنا ـ اليومَ ـ دور الشباب التي بدأت أدوارها تقتصر على بعض العروض الثقافية القليلة والمناسباتية أو تحولت إلى معارض للمنتوجات التقليدية وغابت أدوارها الأصلية التي تهم الفئات الصاعدة؟ فهل ينتبه المسؤولون والآباء والمهتمون لأدوار هذه المؤسسات والفضاءات في محاربة الجريمة والانحرافات؟          

هنا في سيدي بنور كانت الآمال كبيرة حين تم إنشاء عديد ملاعب القرب، أُنفقت فيها أموال كثيرة وتم إحاطتها بسياج حديدي لكن إلى أين انتهت هذه الملاعب؟ لقد تم إتلاف ذلك السياج، وأصبحت تلك الفضاءات مرتعا للإهمال في غياب التتبع والمراقبة. إننا في هذا الزمن ينبغي أن نهتم بالطاقة البشرية، أي الإنسان قبل الحجر والجماد. التنمية البشرية تقتضي مراعاة الإنسان الذي يصون ويحمي كل المنجزات التي يتم تقديمها له وتكون لصالحه. هذه هي المعادلة الصعبة التي ينبغي الانتباه لها، وإلا فالنتيجة معروفة مسبقا. فهل يعي المسؤولون ذلك.   

المصطفى سالمي                           

تعليق واحد

  1. المجتهد كيقول غادي تكون عندي حياة رائعة مستقبلا و سوف احقق احلامي الطفولية كلها داك شي علاش خصني نكون في الحاضر مأدب و مصوب و ضريف و مخلق و معمر قلبي بالله و في الحياء و الحشمة والكسول عكس ذلك .هذه هي الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *