الرئيسية » اقلام » متنزه سيدي بنور وانكشاف التمدن المعطوب!

متنزه سيدي بنور وانكشاف التمدن المعطوب!

محمد بومهالي

في اليوم الموالي لافتتاح المسبح البلدي، بعد أزمة طالت سنوات وأسالت الكثير من المداد، تفاجأ أصحاب الشركة التي رسى عليها مزاد تدبيره بالإقبال الكبير عليه من قبل الساكنة، الأمر الذي خلق حالة من الارتباك نتجت عنها فوضى عارمة، وقد ارجعها البعض إلى سوء تصرف مرتادي المنتزه المذكور واصفا إياهم بالبداوة والجهل والتخلف وما إلى ذلك من صفات قدحية تطعن في مدى تمدن أطفالنا وشيبنا وشبابنا.

والحقيقة أن ماجرى بالمسبح من تصرفات شائنة قد تبرر ذلك: هدم السياج، والاعتداء على الأزهار ،و الشجارات المتكررة؛ السب والشتم بعبارات نابية، تعاطي المخدرات بعين المكان، تخريب قاع المسبح و جعله يشكل خطرا على مرتاديه، كسر كأس من الزجاج ورميه بالمسبح وهلم جرا. وكل هذا ولم يمض على تدشينه سوى يومين فقط. بالنسبة لأصحاب المشروع كان الحل رفع الأسعار علها تحد من عدد الزوار، لكنه يبقى حلا غير قانوني، ما أثار على الفور موجة من الاحتجاجات . ما الحل إذن؟ نحن أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن نغلقه نهائيا ونعلن فشل المشروع، أو أن نستمر في ظل هذه الاكراهات.

لكن يبقى السؤال الأعمق و الأهم والذي يُطرح علينا جميعا كل في موقعه، من أين أتى هؤلاء “المشاغبون ” ؟ أليسوا صنيعة منظومة القيم السائدة في بيوتنا وفي شوارعنا ومؤسساتنا الرسمية وغير الرسمية؟ أليسوا جزءاً من جسدنا؟ فإما أن نعالجه أو نترك المرض يستشري حتى الهلاك المبين! لقد اثبت علماء الاجتماع أن هناك فرقا بين التحضر والتمدن، فالتحضر هو الانتقال من البادية إلى الحاضرة بكل بساطة، أي تغيير مكان الاقامة فقط . أما الانتقال الى التمدن فهو تغيير في سلوك الفرد وفي القيم التي يؤمن بها، وهي عملية كما تعلمون بطيئة وتتطلب من السلطات المسؤولة الوعي بها قصد العمل على تسريعها، عن طريق برمجة مجموعة من الأنشطة والبرامج الثقافية في الفضاءات العامة ودعوة المثقفين الى الخروج من ابراجهم والنزول الى الشارع عبر ندوات وتنظيم مسابقات في المسرح والسينما وهلم جرا، ان الاقتصار على تشجيع ثقافة المواسم بصورها التقليدية البائسة لن يدفع في هذا الاتجاه بل على العكس يكرس التخلف و ينشره على نطاق واسع، ويمكن للزائر أن يقف على هذه الأمور بكل سهولة .

الخلاصة أن هذه العلب الاسمنتية لن تجعل الساكنة متمدنة مهما علت وانتشرت، ووسم الناس بعدم التمدن هو وسم للذات، ولن يكون حلا أبدا، بل الحل يقع على عاتقنا جميعا وبالخصوص على عاتق من بيدهم الحل والعقد، وهم مدعوون إلى التفكير مليا في تشجيع كل ماله علاقة بالشأن الثقافي بمفهومه الواسع والبراغماتي، وعدم اعتباره ترفا. وإلا سنظل ندور في حلقة مفرغة وستزداد الحال استفحالا حتى نفقد الأمن والطمأنينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على فيسبوك