مَا لجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ

إبراهيم العدراوي
رسالة جوابية على مقال الصّديق الحسين ايت حمو.
الصديق العزيز الحسين ايت حمو،
كتبتم مقالا رثائيا حرمني من مرارة قهوة هذا الصباح. المقال يصف مأساوية موت الأطفال بسيدي بنور. طفلان جميلان نُفّدَ فيهما حكم الإعدام بسمّ العقارب.
الحدث، بالتأكيد، أليم ومحزن ومبك. ولكنّه ليس سوى إضافة لسلسلة المآسي التي تعيشها الطفولة بالإقليم.
قلّب ذاكرة مقالاتك صديقي، وأجبني وإن أمكن بالأرقام، فالذاكرة الإلكترونية تخزّن كل الأحزان والجروح.
-كم طفلا مات غرقا في سواقي المياه؟
-كم طفلا دُهس في حوادث السير؟
-كم طفلا صعقته أسلاك الكهرباء المنسية على جوانب الطريق؟
-كم طفلا تعرض للاغتصاب؟
الأطفال في سيدي بنور لا يموتون. إنّهم يعدمون عن سبق إصرار وترصد؛ لأنهم ولدوا ببساطة في أمّة العقارب، أمّة ضحكت من جهلها الأمم، أمّة تسبّح بعبادة أصنام جبابرتها، أمّة تنكح أطفالها، وفي أرحم الأحوال تئدهم تحت عربات الجرارات والسيارات أو تُعمّدهم للموت في سواقي المياه…
منذ سنوات كتبت مقالا: “الملائكة لا تحلق في سيدي بنور”، رجاءً عُدْ إليه، وانشره على الملإ. وخبّرني ياصديقي، كم أنهارا من المآسي جرت بعده. خبّرني عن الحدائق التي فتحت، والملاعب التي شيدت، والمستوصفات التي أنشأت، والمسابح التي هيّأت…
رجاء خبّرني عن كلّ هذا. وأخبر أصحاب صفحات الفايسبوك الفضائحية بسيدي بنور أنّ الفضيحة أكبر مؤَخّرة الجبابرة الذين يؤدّون عن بيع الضمائر.
اطلب منهم فقط أن ينشروا ميزانيات المجالس على النيت، والبرامج والتجهيزات التي أنشأوها للأطفال…أقسم لك أن المنطقة لا يصلح لها سوى تمثيل واحد: نحن في حالة أفظع من تلك الحالة التي قيل فيها: كالأيتام في مأدبة اللئام.
واعذرني إن قلت لك صديقي إنّ الأطفال يغادرون بسلام…يغادرون لأنّ سمّ العقارب استشرى…ولأن الأفاعي أصبحت برؤوس أسطورية لاتموت…تسكن في قبب البرلمان وعلى رأس المجالس…عششت وباضت وفرّخت…وحتى فراخها سيرثون السّمّ ناقعا…
هل تعتقد صديقي أننا لا نملك قصصا تروى؟
لقد عشت معي قصة “أطفال الكهف”، وهناك قصص أخرى، وقارون ليس واحدا…وكل قصص للهوان… الأفاعي والعقارب يا صديقي “تتبورد”.
ونحن في زمن الهوان نكرات بسطاء واهمون، سهلَ علينا الهوان، ولن يكون لجرح الميت إيلام.
مَن يَهُن يسهل الهوان عليه ……وما لجرح بمَيّت إيلامُ
صديقي الحسين،
في الزمن القديم، كان الغواصون يقيسون حجم الأكسجين المتبقى في الغواصة تحت الماء بالأرانب…كانت الأرانب تموت لتحسب الساعات…ما كتبت عنه لا يختلف إلا في جوانب لا يعتد بها. نحن نختنق…الأطفال يموتون تماما كما الأرانب في الغواصات…والربابنة ماهرون ساديون يتلذذون بموت الأطفال…لأنهم لم يلدوا أطفالا…بل لن يلدوا إلا العقارب التي تعشق السيادة ولو على جثث الموتى…ولو في صحراء قاحلة.
إنّها العقارب ياصديقي. تلك صرخة الأطفال الأخيرة. العقارب في كل مكان…العقارب في كل مكان…
صديقي العزيز، سألتني سابقا عن عبارة تصف الرحيل المأساوي للأطفال، عجزت حينها عن إيجاد كلمات قاسية تعبر عن لوعتك وحزنك. وبعدها قرأت هذه العبارة عند دوستوفسكي، عبارة قد تجد فيها بعض العزاء، وقد تزيدك حزنا.
“يا إلهي لماذا يموت الأطفال؟ هل يحق لي أن أقترح بسذاجة وحُب: لماذا لا ترفعهم إلى السماء مؤقتاً ريثما تنتهي الحرب، ومن ثم تعيدهم إلى بيوتهم آمنين! وحين نسألهم محتارين: أين كنتم؟ يجيبون مُرتاحين: كنا نلعب مع الغيوم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *